سفينة صيد تبحر في مياه البحر الأبيض المتوسط قبالة ضبية بالقرب من العاصمة اللبنانية بيروت في 5 كانون الأول/ديسمبر 2022. ( AFP / Joseph EID)

تراجع البحر في بعض السواحل خلال الأيام الماضية ظاهرة طبيعية مرتبطة بالمدّ والجزر

تزامناً مع اهتزازات أرضيّة متواصلة في عدّة بلدان في الشرق الأوسط وما تلاها من تحليلات غيبية وشائعات مضلّلة على امتداد الأسابيع الماضية، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تتحدّث عن تراجع "غامض" لمياه البحر المتوسّط وعدد من المسطّحات المائية. لكن الأمر في الحقيقة لا ينطوي على أي غموض، بل هو ظاهرة طبيعيّة مُعتادة مرتبطة بحركة المدّ والجزر.

جاء في المنشورات المتداولة صور لشواطئ تراجعت المياه عنها. منها تلك التي تُظهر شاطئ مدينة سيدي إفني في جنوب المغرب، والذي انكشفت مساحات كبيرة من رماله بفعل تراجع مياه البحر ما جعل منشأة تيليفيريك قديمة تظهر بشكل كامل.

Image
صورة ملتقطة من الشاشة في السادس من آذار/مارس 2023 من موقع فيسبوك

وتناولت منشورات أخرى الحديث عن تراجع لمياه البحر في لبنان ومصر وفلسطين، كما علّقت صفحات على تراجع منسوب البحر في السواحل الإيطالية وجفاف الأنهار في البندقية معتبرة الأمر "ظاهرة غريبة" تنذر "بحدوث شيء ما" وقال البعض إنها إشارة لحدوث موجات مدّ بحريّ (تسونامي).

Image
صورة ملتقطة من الشاشة في السادس من آذار/مارس 2023 من موقع فيسبوك

ويأتي تداول هذه الادعاءات عقب الزلازل والهزّات الأرضيّة التي شهدتها دول عدّة في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية وأودت بحياة عشرات الآلاف في تركيا وسوريا.

ومنذ زلزال السادس من شباط/فبراير، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات وشائعات رفعت حدّة الذعر في المنطقة، خصوصاً تلك التي روّجت لحدوث مدّ بحري عقب الزلزال.

لكن التراجع الأخير للبحر في بعض السواحل ظاهرة طبيعيّة مألوفة تسبّبت فيها عوامل عدّة يشرحها الخبراء.

المد والجزر ظاهرة طبيعيّة

يحدث المدّ حينما يرتفع منسوب المياه في المحيط والسواحل. وحينما ينخفض منسوب المياه ويتراجع في الشواطئ يحدث ما يسمى بالجزر أو المدّ المنخفض.

ويقول الحسين يوعابد رئيس مصلحة التواصل في المديريّة العامّة للأرصاد الجوية في المغرب في حديث لوكالة فرانس برس إن المدّ والجزر ظاهرة طبيعيّة "تحدث نتيجة قوى الجذب من القمر والشمس، التي تؤثر على مياه البحار والمحيطات".

ويضيف يوعابد "يكون تأثير جاذبية القمر أكبر نتيجة قربه من الأرض".

وإن كانت الشمس والقمر والأرض على الخط المستقيم نفسه يؤدي ذلك إلى ظاهرة المدّ الكبرى، ومنها حركة المدّ والجزر الربيعية.

إضافة إلى ذلك، تؤثّر عوامل أخرى في حركة المد والجزر كالضغط الجوي وعمق المياه وشكل السواحل، مثلما يشرح هذا التقرير البيانيّ.

هل تراجُع مستوى البحر في سيدي إفني ظاهرة غير مألوفة؟

"ليست بغريبة ولا استثنائية". بهذه الإجابة يؤكد الحسين يوعابد أن ما شهدته بعض السواحل من تراجع لمنسوب المياه هو أمر طبيعي معدّداً الكثير من العوامل.

ويقول "فيما يتعلق بمدينة سيدي إيفني، التي يحدث فيها المدّ والجزر مرتين في اليوم الواحد كسائر الشواطئ المغربية، ليست هذه المرة الأولى ولا الأخيرة التي يصل فيها مستوى سطح البحر إلى ذلك المستوى المنخفض، وقد حدثت نفس الظاهرة شهر شباط/فبراير من العام الماضي".

وأكد يوعابد أن برنامج توقّع المد والجزر البحري الخاص بالمديرية توقع تسجيل أدنى مستوى جزر يوم الثلاثاء 21 شباط/فبراير 2023 وهو موعد القمر الجديد (29 رجب 1444) بالمغرب، و"الذي شهد تواجد الأرض والقمر والشمس على نفس المحور تقريباً".

والبحر الأبيض المتوسّط؟

يعزي الحسين يوعابد مستوى الجزر المنخفض الذي سُجّل على البحر الأبيض المتوسط في خلال الأسبوع الثاني من فبراير 2023، إلى ظاهرة الجزر الفلكية ويضيف إليها "تأثير الضغط الجوي الذي شهد ارتفاعاً بلغ 1035 HPA".

وعمّ هذا الضغط جزءاً كبيراً من منطقة البحر الأبيض المتوسط مما أدى إلى تقليص مستوى سطح البحر بحوالى 22 سنتيمتراً، وفقاً للخبير.

وفي هذا السياق، يقول ألفيس بابا المسؤول عن مركز مراقبة حركة المد والجزر في البندقية لوكالة فرانس برس إن الجَزر الذي شهدته أنهار البندقية وتسبب بجفافها هو "أمر عادي تماماً".

ويضيف "حوالى 70٪ من ظاهرة الجَزر تحدث على وجه التحديد خلال هذه الفترة، من كانون الثاني/يناير إلى شباط/فبراير".

ويختم ألفيس بابا مطمئِناً "ستعود الأمور إلى شكلها الطبيعي".

وتؤيّد ذلك كلير فرابول رئيسة قسم المدّ والجزر في مصلحة علوم المحيطات والمياه البحرية بفرنسا، معتبرة أن تراجع المياه في البحر الأبيض المتوسط مؤقّت.

وتقول لفرانس برس "إنها ظاهرة موسميّة لتقلّص الكتلة المائية، مرتبطة بانخفاض درجات الحرارة في الشتاء، ممّا يؤدي إلى انخفاض مستوى سطح البحر".

وتضيف أن هذا التقلّص الطبيعي هذا العام اقترن بتشكّل "إعصار قوي مضاد".

والإعصار المضاد هو منطقة في الغلاف الجوي يكون الضغط فيها أعلى مما هو حولها، مما يؤدي عادةً إلى طقس جاف ومشمس.

ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة ليست مقلقة، كما تؤكد كلير فرابول "فالظواهر التي تحدث خلال هذا الوضع لا تشكل خطراً، ونحن قيد العودة إلى الوضع الطبيعي".

لا ينذر بتسونامي إذاً؟

بحسب المركز الوطني للإنذار بأمواج المدّ البحريّ (تسونامي) (CENALT)، "يحدث تسونامي بسبب زلزال تحت الماء بقوة 6.5 درجات على الأقل. وابتداءً من 8 درجات يمكن أن يكون المدّ البحري المتولّد مدمّراً".

في معظم الحالات، "يسبق الموجة الأولى للتسونامي انخفاض سريع في مستوى سطح البحر".

وفي هذا السياق تؤكد عالمة الرياضيات التطبيقيّة سيلفي بينزوني-غافاج أنه "لو كان من الممكن أن يتشكّل تسونامي عقب زلزال تركيا وسوريا، لوقع ذلك منذ وقت طويل"، أي بعد الزلزال مباشرة.

وتحسم آن ريبلوماز أستاذة الجيولوجيا في جامعة جوزيف فورييه بفرنسا الجدل بخصوص الموضوع قائلة " في حالة زلزال شباط/فبراير، كان الصدع الزلزالي يقع في البرّ وليس في البحر، لذا كانت إمكانية حدوث مد بحري مدمّر ضئيلة للغاية".

هل لديكم أي شك حول صحة معلومة أو اقتباس أو صورة؟

تواصلوا معنا